السيد محمد تقي المدرسي
46
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)
وقد سمّى ربُّنا كتابه الكريم بأنه تذكرة وتبصرة ونور وهدى وضياء وشفاء وما إلى ذلك مما يتناسب وحكمة الشرائع وتفقه روحها وبلوغ مرامها وقيمها وحين نتلو سورة الأنعام التي تفيض على أفئدة المؤمنين نور التوحيد ، وتطّهرها من دنس الشرك بكل ألوانه وأبعاده « 1 » نجد كيف يبينّ ربّنا لنا أحكام الدين التي هيفي الأصل - ثمارُ شجرة التوحيد المباركة ، وهيفي الخاتمةمعارج للعقل والتقوى واليقين . . فالحكم الذي لا ينبعث من التوحيد نبتةً مجتثة لا تلبث أن تهيج وتصفّر ، والحكم الذي لا يتّخذ معراجاً نحو العقل والتقوى واليقين ، قشرةٌ خاوية لا لبَّ فيها ولا فائدة . فانظر كيف تشرح سورة الأنعام أولًا : قُبح التكذيب بآيات الله لأنه أصل فساد القلب ، وسبب ضلال النفس ، ويمدح المؤمنين الذين يعرفون الكتاب كما يعرفون أبناءهم ويقول : ( الذين آتيناهُمُ الكتابَ يعرفونه كما يعرفون أبناءهم الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون ) « 2 » . وكأن الكتابَ ابنُ عقلِ الإنسان ، والتكذيب به خساةٌ للنفس ، فما قيمة نفس لا عقل فيها ؟ . وبعد بيان الصلة بين الشرك والكذب ، يبينّ ربّنا ما به شفاء صدر الإنسان الواعي من درن الشرك والكذب . ثم حين يبينَّ قيمة الأمن المنبعثة من قيمة التوحيد ، يستعرض في البدء قصة إبراهمعليه السلامحين سلك بقومه سبيل الإيمان بالله عبر النظر في ملكوت ربه والإعجاب بالكوكب والقمر وبالشمس ثم الكفر بها جميعاً ، والتوجّه إلى الذي فطر السماوات والأرض ثم قال ربّنا سبحانه : ( وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطاناً فأيّ الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون ) « 3 » ( الذين آمنوا ولم يلبسُوا إيمانهم بظلمٍ
--> ( 1 ) - في بحث مفصل نستعرض بإذن الله القيم الأساسية للوحي ، وشرائعه ولا يسعنا هنا ألا الالمام بذلك تبعاً للسياق . ( 2 ) - النعام / 20 . ( 3 ) - الانعام / 81 - 82 .